وداعاً صديقتي

.كانت أحلامها أحلاماً بسيطة، درست، وكافحت وضحَّت من أجل سعادة أناس آخرين

تحت سقف غرفة صغيرة، عاشت مع عائلتها المكونة من ستة أفراد، كان شغلها الشاغل الدراسة وبلوغ أهداف رسمتها على الورق في إحدى الليالي الماطرة، إلا أن الواقع كان شيئاً آخر

.كانت أكبر إخوتها فوُضعت أمام امتحان صعب؛ هو التخلي عن دراستها في سبيل مساعدة والدها في تغطية مصاريف الأسرة

عملت بجهد لمد يد العون لعائلتها، وفي مقر عملها التقت برفيق دربها الذي كان السند والزواج الصالح، والذي لم يبخل هو الآخر بتقديم المساعدة

.وهبها الله بطفلين لطالما حلمت بهما، ودعت الله أن يكونا ذرية صالحة لهما

.كان جمالها ساحراً، كانت ابتسامتها تبهر كل من حولها، لكن المرض اللعين خطف ضحكتها التي اعتادت رؤيتها كصديقة للعائلة

اكتشفت إصابتها بالسرطان في مراحل متأخرة، لكنها قاومت بكل ما أوتيت من قوة، إلا أنه هزمها. أتذكر لحظات عشناها معاً في فترة إصابتها؛ ذهبنا لحلق شعرها الحريري، فكانت أصعب مرحلة مررت بها وأنا أقف وراء المرآة، نحل جسمها وتغير لون بشرتها، وذبلت عيونها العسلية، فتظاهرت أمامها بالتماسك، وأنا أراها تذوب كل يوم بنار الألم ووجع العلاج الكيماوي

ضحكنا على نكت وحكايات نسجتها لها من وحي الخيال، وأخرى واقعية لتخفيف معاناتها، حمدنا الله على ابتلائه، فسبحانه يختبر مدى صبر عباده على المرض

:تقول رضوى عاشور

.هذه النجوم في السماء هي أرواح أحبابنا الذين ذهبوا، نارها عذاب الفراق، ونورها شوق الوصل والتلاقي

.وها أن اليوم أفارق تلك الحنونة كاسمها “حنان”، أفارقها ودمعي يسيل والقلب حزين لرحيلها

أعلم أن الموت قدرنا جميعا، لكن الوداع موجع يا عذبة السجايا، لكِ في قلبي منزلة. يا غالية أسأل الله العظيم أن يلهمنا الصبر والسلوان، ويجعل قبرك روضة من رياض الجنة يا روحاً طيب

.أقف الآن في عزائك، والكل يبكي، فتذكرت مقولة لطالما كررناها معاً

:مصطفى صادق الرافعي

فترى العمرَ يتسلّلُ يوماً فيوماً ولا نشعر به، ولكن متى فارقَنا من نحبهم نبّه القلبُ فينا بغتةً معنى الزمن الراحل، فكان من الفراق على نفوسنا انفجارٌ كتطايرِ عدةِ سنينَ من الحياة

.رحمة الله عليكِ صديقتي